فصل: تفسير الآية رقم (11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (10):

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10)}
أي جعلناها لكم قرارا ومهادا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. والمعايش جمع معيشة، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة.
وقال الزجاج: المعيشة ما يتوصل به إلى العيش. ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج: {معايش} بالهمز. وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز، لأن الواحدة معيشة، أصلها معيشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو مناور ومناور، ومقام ومقاوم، كما قال الشاعر:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ** جرير ولا مولى جرير يقومها

وكذا مصيبة ومصاوب. هذا الجيد، ولغة شاذة مصائب. قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة معتلة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة.
وقيل: لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة، فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.

.تفسير الآية رقم (11):

{وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع. {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره.
وقال الأخفش: {ثُمَّ} بمعنى الواو.
وقيل: المعنى {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} يعني آدم عليه السلام، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم، على التقديم والتأخير.
وقيل: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} يعني آدم، ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} راجع إليه أيضا. كما يقال: نحن قتلناكم، أي قتلنا سيدكم. {ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير، عن ابن عباس أيضا.
وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحواء، فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما، قاله الحسن.
وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوي هذا {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. والحديث: «أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق».
وقيل: {ثُمَّ} للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم صورناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس. قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يعضده التنزيل، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} يعني آدم. وقال: {وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها}. ثم قال: {جَعَلْناهُ} أي جعلنا نسله وذريته {نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ} الآية. فآدم خلق من طين ثم صور وأكوم بالسجود، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدم في أول سورة الأنعام أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة، فتأمله وقال هنا: {خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} وقال في آخر الحشر: {هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ}. فذكر التصوير بعد البرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وقيل: معنى {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا. قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} استثناء من غير الجنس.
وقيل: من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا. كما سبق بيانه في البقرة.

.تفسير الآية رقم (12):

{قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)}
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {ما مَنَعَكَ} {ما} في موضع رفع بالابتداء، أي أي شيء منعك. وهذا سؤال توبيخ. ألا تسجد في موضع نصب، أي من أن تسجد. و{لا} زائدة.
وفي ص {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} وقال الشاعر:
أبي جوده لا البخل فاستعجلت به ** نعم من فتى لا يمنع الجود نائله

أراد أبي جوده البخل، فزاد {لا}.
وقيل: ليست بزائدة، فان المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد؟ أو من دعاك إلى ألا تسجد؟ كما تقول: قد قلت لك ألا تفعل كذا.
وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد. قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد، وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك. وكان أمره من قبل خلق آدم، يقول الله تعالى: {إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ}. فكأنه دخله أمر عظيم من قوله: {فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ}. فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له، فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا، وبقي هو قائما بين أظهرهم، فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره. فقال الله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} أي ما منعك من الانقياد لأمري، فأخرج سر ضميره فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}.
الثانية: قوله تعالى: {إِذْ أَمَرْتُكَ} يدل علما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة، لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} وهذا بين.
الثالثة: قوله تعالى: {قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} أي منعني من السجود فضلي عليه، فهذا من إبليس جواب على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطب: مالكها زيد. فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فرأى أن النار أشرف من الطين، لعلوها وصعودها وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق. فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: أحدها- أن من جوهر الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر. وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية. ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء، قال القفال.
الثاني- إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا.
الثالث- أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببا للعذاب.
الرابع- أن الطين مستغن عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. قلت- ومحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور، كما جاء في صحيح الحديث. والنار تخويف وعذاب، كما قال تعالى: {ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ}.
وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وهو أول من قاس برأيه. والقياس في مخالفة النص مردود.
الرابعة: واختلف الناس في القياس إلى قائل به، وراد له، فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا، وهو الصحيح.
وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا. وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا، ورده بعض أهل الظاهر. والأول الصحيح. قال البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ترجم على هذا باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل. وترجم بعد هذا باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها.
وقال الطبري: الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماع الأمة هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن جماعة الصحابة والتابعين.
وقال أبو تمام المالكي: أجمعت الأمة على القياس، فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة.
وقال أبو بكر: أقيلوني بيعتي. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ فقاس الإمامة على الصلاة. وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله. وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحده حد القاذف. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه: الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، أعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى. الحديث بطوله ذكره الدارقطني. وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوباء، حين رجع عمر من سرغ: نفر من قدر الله؟ فقال عمر: نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم قال له عمر: أرأيت... فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار، وحسبك. وأما الآثار وأى القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع إليه العلماء العاملون، فيستنبطون به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة، ولا يلتفت إلى من شذ عنها. وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة، لأن ذلك ظن ونزغ من الشيطان، قال الله تعالى: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأصول.

.تفسير الآية رقم (13):

{قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)}
قوله تعالى: {قالَ فَاهْبِطْ مِنْها} أي من السماء. {فما يكون لك أن تتكبر فيها} لأن أهلها الملائكة المتواضعون {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أي من الأذلين. ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل.
وقال أبو روق والبجلي: {فَاهْبِطْ مِنْها} أي من صورتك التي أنت فيها، لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه.
وقيل: {فَاهْبِطْ مِنْها} أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار، كما يقال: هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان أخر، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها، فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها. والقول الأول أظهر. وقد تقدم في البقرة.

.تفسير الآيات (14- 15):

{قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)}
سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده، فقال الله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}. قال ابن عباس والسدي وغيرها:
أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين، فأبى الله ذلك عليه. وقال: {إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ولم يتقدم من يبعث، لأن القصة في آدم وذريته، فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون.

.تفسير الآيات (16- 17):

{قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {فَبِما أَغْوَيْتَنِي} الإغواء إيقاع الغي في القلب، أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد واستكبار. وقد تقدم في البقرة. قيل: معنى الكلام القسم، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك، أو في صراطك، فحذف. دليل على هذا القول قوله في ص: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} كأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاما لقدره عنده.
وقيل: الباء بمعنى اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي.
وقيل: هي بمعنى مع، والمعنى فمع إغوائك إياي.
وقيل: هو استفهام، كأنه سأل بأي شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن يكون: فبم أغويتني؟.
وقيل: المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء الإهلاك، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} أي هلاكا.
وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد، قال ابن عباس.
وقيل: خيبتني من رحمتك، ومنه قول الشاعر:
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من يخب.
وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحد معاني قول تعالى: {وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى} أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه.
الثانية: مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر، ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليس، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالى الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم، وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه: {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهما بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار، فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه! فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: رب بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أغوي نفسي.
الثالثة: قوله تعالى: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي بالصد عنه، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يخيبوا كما خيب، حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة ف {أَغْوَيْتَنِي}. والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة. و{صِراطَكَ} منصوب على حذف {على} أو {في} من قوله: {صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}، كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن. وأنشد:
لدن بهزّ الكف يعسل متنه ** فيه كما عسل الطريق الثعلب

ومن أحسن ما قيل في تأويل {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} أي لأصدنهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} حسب ما تقدم.
وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من دنياهم. {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من آخرتهم. {وَعَنْ أَيْمانِهِمْ} يعني حسناتهم. {وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن وشرحه: أن معنى {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من آخرتهم حتى يكذبوا بها. {وَعَنْ أَيْمانِهِمْ} من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ}. {وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات، لأنه يزينها لهم. {وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ} أي موحدين طائعين مظهرين الشكر.